فصل: تفسير الآية رقم (144):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام



.تفسير الآية رقم (124):

الآية الخامسة:
{وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}.
{لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)} اختلف في المراد بالعهد فقيل: الإمامة وقيل: النبوة، وقيل: عهد اللّه: أمره.
وقيل: الأمان من عذاب الآخرة! ورجحه الزجاج، والأول أظهر كما يفيده السياق.
وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لابد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد، لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالما.
ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما تفيده الإضافة من العموم فيشمل جميع ذلك اعتبارا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل ما تعلق بالأمور الدينية.
وقد اختار ابن جرير أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهدي بالإمامة ظالما، ففيه تعظيم من اللّه لإبراهيم الخليل: أنه سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه. انتهى.
قال الشوكاني في فتح القدير: ولا يخفى عليك أنه لا جدوى لكلامه هذا فالأولى أن يقال: إن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولّوا أمور الشرع ظالما.
وإنما قلنا إنه في معنى الأمر لأن إخباره تعالى لا يجوز أن يتخلف، وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة وغيرها كثيرا من الظالمين. انتهى.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله تعالى: {قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً} يقتدى بدينك وهديك وسنتك. {قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} إماما لغير ذريتي؟ {قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}. أن يقتدى بدينهم وهديهم وسنتهم.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عنه قال: قال اللّه لإبراهيم: {إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً} فأبى أن يفعل ثم قال: {قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 124}.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هذا عند اللّه يوم القيامة لا ينال عهده ظالما. فأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين وغازوهم وناكحوهم فلما كان يوم القيامة قصر اللّه عهده وكرامته على أوليائه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية أنه قال: لا أجعل إماما ظالما يقتدى به.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: يخبره أنه إن كان في ذريته ظالم فلا ينال عهده، ولا ينبغي له أن يوليه شيئا من أمره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال: ليس لظالم عليك عهد في معصية اللّه.
وقد أخرج وكيع وابن مردويه من حديث علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في قوله: {لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}: قال: «لا طاعة إلا في المعروف».
وأخرج عبد بن حميد من حديث عمران بن حصين: سمعت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية اللّه».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: ليس للظالم عهد، وإن عاهدته فانقضه.
قال ابن كثير: وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حيان نحوه.

.تفسير الآية رقم (125):

الآية السادسة:
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}.
{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى} قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على أنه فعل ماض، وقرأ الباقون على صيغة الأمر.
والمقام في اللغة: موضع القيام.
واختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس ويصلون عنده ركعتي الطواف.
وقيل المقام: الحج كله. وروي ذلك عن عطاء ومجاهد.
وقيل: عرفة والمزدلفة، وروي عن عطاء أيضا.
وقال الشعبي: الحرم كله مقام إبراهيم. وروي عن مجاهد.
وأخرج البخاري وغيره من حديث أنس عن عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث. قلنا: يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟
فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى}. وقلت: يا رسول اللّه: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهنّ أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نساؤه في الغيرة فقلت لهن: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} فنزلت كذلك. وأخرجه مسلم وغيره مختصرا من حديث ابن عمر عنه.
وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر: أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم وصلى خلفه ركعتين ثم قرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى}.
واختلفوا في قوله مصلى: فمن فسّر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال: مصلى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء، ومن فسّر المقام بالحجر قال: معناه اتخذوا من مقام إبراهيم قبلة لصلاتكم، فأمروا بالصلاة عنده. وهذا هو الصحيح.
ثم العندية تصدق بجهاته الأربع والتخصيص بكون المصلي خلفه إنما استفيد من فعل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والصحابة من بعده رضي اللّه عنهم.
وفي مقام إبراهيم أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها.
والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه، كما في البخاري من حديث ابن عباس. وهو الذي كان ملصقا بجدار الكعبة وأول من نقله عمر بن الخطاب، كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بإسناد صحيح، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة.
وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: «لما طاف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال له عمر هذا مقام إبراهيم؟ قال نعم» وأخرج نحوه ابن مردويه.
{أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)} المراد بالتطهير قيل: من الأوثان، وقيل: من الآفات والريب، وقيل: من الكفر وقول الزور والرجس، وقيل: من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث.
والظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير فهو يتناوله تناولا شموليا.
والإضافة في قوله: {بَيْتِيَ} للتشريف والتكريم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأهل المدينة وهشام وحفص: بيتي بفتح الياء، وقرأ الآخرون بإسكانها.
والمراد بالبيت: الكعبة.
والطائف: الذي يطوف به ويدور حوله.
وقيل: الغريب الطارئ على مكة.
والعاكف: المقيم. وأصل العكوف في اللغة: اللزوم والإقبال على الشيء، وقيل: هو المجاور دون المقيم من أهلها.
والمراد بقوله: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}: المصلون، وخص هاتين الركعتين بالذكر لأنهما أشرف أركان الصلاة.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا كان قائما فهو من الطائفتين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد؟ فقال: هم العاكفون.

.تفسير الآية رقم (144):

الآية السابعة:
{قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)}.
{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} المراد بالشطر: الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية. ومنه قول الشاعر:
أقول لأمّ زنباع أقيمي ** صدور العيس شطر بني تميم

وقد يراد بالشطر النصف، ومنه: «الوضوء شطر الإيمان» ويرد بمعنى البعض مطلقا. ولا خلاف في أن المراد بشطر المسجد بناء الكعبة.
وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية. ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال: شطر المسجد الحرام: تلقاؤه.
وأخرج عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء في قوله تعالى هذا، قال: قبله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه- والبيهقي في سننه عن علي مثله.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: شطره: نحوه.
وأخرج ابن جرير عنه قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب.
وأخرج البيهقي في سننه عنه مرفوعا قال: «البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي».

.تفسير الآية رقم (158):

الآية الثامنة:
{إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158)}.
أصل الصفا: الحجر الأملس، وهو هنا علم لجبل من جبال مكة معروف.
وكذلك المروة: علم لجبل بمكة معروف، وأصلها في اللغة واحدة المروي وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقيل: التي فيه صلابة، وقيل: تعم الجميع، وقيل: إنها الحجارة البيض البراقة، وقيل: إنها الحجارة السود.
والشعائر: جمع شعيرة وهي العلامة من أعلام مناسكه. والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها اللّه إعلاما للناس: من الموقف والمسعى والمنحر. ومنه إشعار الهدي أي إعلامه بغرز حديدة في سنامه.
وحج البيت في اللغة: قصده، وفي الشرع، الإتيان بمناسك الحج التي شرعها اللّه سبحانه.
والعمرة في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: الإتيان بالنسك المعروف على الصفة الثابتة.
والجناح: أصله من الجنوح: وهو الميل، ومنه الجوانح لاعوجاجها.
ورفع الجناح يدل على الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري، وحكى الزمخشري في الكشاف عن أبي حنيفة أنه يقول: إنه واجب وليس بركن، وعلى تاركه دم.
وقد ذهب إلى عدم الوجوب ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين.
ومما يقوي دلالة هذه الآية على عدم الوجوب قوله تعالى في آخر الآية: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً} إلخ.
وذهب الجمهور إلى أن السعي واجب ونسك من جملة المناسك وهو قول عبد اللّه بن عمر وجابر وعائشة وبه قال الحسن وإليه ذهب الشافعي ومالك واختاره الشوكاني وهو الراجح.
واستدلوا بما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول اللّه تعالى: {إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما} فما أرى على أحد جناحا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي! إنها لو كانت على ما أولتها لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ولكنها إنما أنزلت في الأنصار قبل أن يسلموا: كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل اللّه: {إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما} الآية. قالت عائشة: ثم قد بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما.
وأخرج مسلم وغيره عنها أنها قالت: لعمري ما أتم اللّه حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته لأن اللّه تعالى قال: {إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ}.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال: «إن اللّه كتب عليكم السعي فاسعوا».
وأخرج أحمد في مسنده والشافعي وابن سعد وابن المنذر وابن قانع والبيهقي عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: «اسعوا فإن اللّه عز وجل كتب عليكم السعي».
وهو في مسند أحمد من طريق شيخه عبد اللّه بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عنها.
ورواه من طريق أخرى عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن واصل مولى ابن عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها- فذكرته- ويؤيد ذلك حديث: «خذوا عني مناسككم».